23.06.2026

الثقافة الرقميّة وتعزيز القيم الأبويّة عبر الترويج للأعمال الحُرّة

يجد التصاعد العالمي الملحوظ للقيم الأبويّة المحافظة، ضمن سياق يمينيّ وفاشيّ، أرضيّةً خصبةً في الفضاء الرقميّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ. فبينما يبرز المانوسفير بوضوحٍ كفضاءٍ إلكترونيّ مناهض للنسويّة وكاره للنساء، تنشط في المقابل مساحاتٌ رقميّة "صديقةٌ" للنساء، تروّج لعملهنّ ضمن الاقتصاد غير الرسميّ. يزيد هذا الأمر من تهميشهنّ، ويساهم في إعادة إنتاج سطوة الأدوار الجندريّة وتعزيزها. يستعرض هذا المقال كيف تدفع الثقافة الشعبيّة الرقميّة بالنساء نحو العمل غير المُنظّم والهشاشة الاقتصاديّة، عبر الترويج للأعمال الحرّة وتشجيعهنّ على "الاستثمار في الذات" من خلال محتوىً ودوراتٍ عبر الإنترنت موجّهة لهنّ.

دورات التنمية الذاتيّة

"هل تعبتِ من عناء الوظيفة؟"، "تريدين الاستراحة من الدوام ومتطلّبات العمل المرهقة؟"، "تريدين التخلّص من ساعات الوظيفة الطويلة، والعملَ قرب عائلتك؟"، "تريدين كسب مدخولٍ عبر الإنترنت من المنزل؟". تستند العديد من الفيديوهات (بعض الأمثلة: هنا، وهنا، وهنا، وهنا) الموجّهة للنساء عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ إلى هذه العبارات. فتصطاد في مياهٍ عَكّرها الإرهاق الرأسماليّ الذي تعاني منه النساء، وبشكلٍ أكبر مقارنةً بالرجال، إذ يتحمّلن عبء العمل الإنجابيّ بالإضافة إلى العمل الإنتاجيّ.

في القطاع غير الرسميّ، تنخرط النساء في أعمالٍ متعدّدة، يُدار كثيرٌ منها من المنزل، وتعتمد على بنية رقميّة للتسويق والبيع، مثل صناعة وبيع الأطعمة بمختلف أنواعها، وصناعة الإكسسوارات والمستحضرات، وشراء الملابس عبر الإنترنت لإعادة بيعها. يضاف إلى ذلك أعمالٌ قائمةٌ بحدّ ذاتها ضمن الفضاء الرقميّ، مثل صناعة المحتوى، وتقديم وبيع دورات تدريبيّة.

يُسوَّق للفيديوهات التي تروّج لدروس التمكين وتحقيق الذات على أنّها الوصفة السحرية للتغلّب على الرأسماليّة والإحباط الاقتصاديّ العالميّ. ولا يُعدّ الترويج لعمل النساء من المنزل أو عبر الإنترنت جديداً. غير أنّ هذا الترويج، في الآونة الأخيرة، بات يقترن بدورات التنمية الذاتيّة التي تبيعها نساءٌ لنساءٍ أخريات، لتعليمهنّ مهاراتٍ شتّى بزعمِ أنّها تمكنهنّ من تحقيق الربح أو تحقيق ذواتهنّ، بينما تُسهم عمليّاً في إنتاج اقتصادٍ قائمٍ بحدّ ذاته. وقد قُدِّر اقتصاد التنمية الذاتيّة بـ 48.4 مليار دولار أميركيّ، مع توقّعات بنموّه إلى نحو 67.21 مليار بحلول عام 2030.

يمكن ملاحظة نمطٍ لدى بعض المؤثّرات، يبدأ بالإعلان عن رفض العمل الوظيفيّ، بوصفه "وهماً" أو "بلاءً" جلبته النسويّة للنساء، وينتهي بالترويج لدوراتٍ يُقدّمنها ويجنين منها أرباحاً. ويتقاطع هذا المحتوى مع آخرَ يبدو مختلفاً في الشكل، مثل محتوى "الزوجة التقليديّة " (tradwife)، غير أنّه يحمل المعنى الضمنيّ نفسه: تعزيز فكرة أنّ الدور الأساسيّ للنساء يقتصر على العمل المنزليّ ورعاية الأطفال، وكلُّ ما عداه ثانويّ.

تسويق مُتعدّد المستويات

يتبع الترويج لكثيرٍ من هذه الدورات مبدأ التسويق متعدّد المستويات بطابِعٍ هرميّ، ويعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على استغلال تهميش النساء من سوق العمل الرسميّ وتدنّي الأجور التي يتقاضينها، وتكريس فكرة العمل من المنزل بوصفه الخيار الوحيد المتاح لهنّ.

بدلاً من أن يكون المنتج المُسَوَّق له ملموساً مثل مستحضرات التجميل والملابس، على غرار ما هو مألوفٌ في التسويق متعدد المستويات، السلعة هنا رقميّة، كما يظهر بوضوح في هذا المثال، إذ يُروَّج لدورةٍ تعليميّة تشتريها النساء بنحو 400 دولار أمريكيّ ويُحقّقن منها دخلاً عبر إعادة بيعها لأخريات.

وينتقد كثيرون مبدأ "حقوق إعادة البيع الرئيسيّة" (MRR)، القائمة على شراء حقوق منتجات رقميّة وإعادة بيعها، بوصفه نموذجاً غير فعّالٍ وشبيهاً إلى حدٍّ كبير بمبدأ التسويق متعدد المستويات، كما قد يتّخذ في بعض الحالات طابعاً هرميّاً. إذ أنّ إمكانيّة تحقيق ربحٍ فعليٍّ تبقى ضئيلةً جداً.

تتغذّى هذه الأساليب التسويقيّة في السياق الرقميّ على القاعدة الجماهيريّة التي يوفّرها، والمتمثّلة بعدد المتابعات/ين، فالمؤثِّرة التي تكون في أعلى مستوىً تتمكّن من تحقيق أرباحٍ نظراً لكِبر قاعدة المتابعات/بن ممن قد يشترين/ون منها المنتج لإعادة بيعه. وكلما انخفض المستوى (في هرم الشهرة)، تزداد صعوبة إعادة البيع لغياب هذه القاعدة الجماهيريّة.

في أعلى الشبكة تقف مؤثّرة، بائعة، تملك حضوراً رقميّاً وقاعدة متابعاتٍ/ين تخوّلها ضمان مشتَرِيات لدوراتها، إلى جانب ثقةٍ زائفةٍ بَنَتها مع متابِعاتها، ممّا يسهّل عليها استغلال حاجاتهنّ الماديّة لتحقيق مكاسب. في المنتصف بائعاتٌ وزبونات، يشترين المنتج، وقد يحقّقن بعض الأرباح عبر إعادة البيع. أمّا في أدنى مستوى، فتتمرّكز النساء الأكثر تهميشاً، إذ يقتصر دورهنّ على كونهنّ زبوناتٍ فقط، من دون القدرة على تحقيق أيّ مكسبٍ ماديّ، بل على العكس، يقع عليهنّ عبء شراء المنتج الرقميّ.

عبر مختلف مستويات هذا النموذج التسويقي، تكون النساء بائعات وزبونات، بل وحتّى السلعة نفسها، كلٌ بحسب موقعها داخل الشبكة، إذ يُجنى الربح أساساً من خلال بيع المنتج لموزعات/ين جدد.

في التسويق متعدد المستويات، تُدفع النساء نحو مزيدٍ من الهشاشة الاقتصاديّة، عبر زيادة ضغط العمل والجهد المنزليّ مقابل تكاليف ماديّة يتحمّلنها من جيوبهنّ، من دون تحقيق ربحٍ فعليّ. ورغم أنّ الغاية المُعلَنة هي الحفاظ على أدوارهنّ الرعائيّة، فإنهنّ لا يحصلن في هذه الأعمال على أيّ ضماناتٍ تمكّنهنّ من القيام بذلك، مثل الدخل الثابت أو التقديمات الاجتماعيّة، كالإجازات المدفوعة وإجازات الأمومة.

نسخةٌ "مؤنّثةٌ" من المانوسفير

لا يستغلّ هذا النموذج الاقتصاديّ هشاشة النساء الاقتصاديّة فحسب، بل يقوم بشكلٍ أساسيٍّ على إقناعهنّ بأنّ هذا هو الخيار المتاح لهنّ باعتباره لا يتعارض مع أدوارهنّ الإنجابيّة والرعائيّة. فهذا المحتوى لا ينشأ في فراغ، ولكنّه يتنامى ضمن المنظومة الجندريّة نفسها مُتغذيّاً من الخطاب الجندريّ السائد عبر إعادة تغليفه وإنتاجه بحلّةٍ جديدةٍ، ما يساهم في تكريس مزيدٍ من الاستغلال والتهميش الاقتصاديّ.

فإلى جانب محتوى "الزوجة التقليديّة"، والذي يتقاطع مع محتوى يروّج للأدوار الجندريّة التقليديّة، ومن ضمنها ذلك المرتبط بـ "طاقة الأنوثة والذكورة". فإنّ جوهر هذه الفيديوهات واحد، ومفاده أنّ العمل والتعب خارج المنزل لا يتناسبان مع "طبيعة" المرأة "الرقيقة".

في حين يجاهر محتوى المانوسفير، وهو الفضاء الذكوريّ الإلكترونيّ، بعدائه للنساء وبدعوته الصريحة إلى القبول بهرميّةٍ جندريّة، فإنّ المحتوى الذي نتناوله هنا، على النقيض من ذلك، يُروَّج له بأسلوبٍ أقلّ فجاجةً، ممّا يسهّل تلقيه. ويقدم هذا المحتوى مؤثّرات/ون في مجال أسلوب الحياة لا يقدّمن/ون أنفسن/هم بوصفهنّ/هم معنيّات/ين بالسياسة، بالرغم من أنهنّ/م يمرّرن/ون محتوىً سياسيّاً مبطّناً، ممّا يجعل المتلقي/ة أكثر تقبّلاً له وتأثّراً به.

ويصبح تمكين النساء والرجال، عملاً يخضع للأدوار الجندرية الراسخة في المجتمع. ففي المانوسفير، يُدفع الرجال نحو "التمّكين الذاتيّ" من خلال تعلّم التداول والاستثمار لتحقيق الربح، أما المحتوى الموجّه للنساء، فيشجّعهنّ على اكتساب مهاراتٍ تتيح لهنّ العمل من المنزل بما لا يتعارض مع الأدوار الرعائيّة.

يُعيد هذا المحتوى الرقميّ تغليف التحيّز الجنسيّ والأبويّة عبر الترويج لهما تحت شعار تمكين النساء. ففي حين لا يستسيغ كثيرون الخطاب الذي يقول بأنّ النساء غير متساوياتٍ مع الرجال، أو أنّهنّ لا يصلحن للعمل، فإنّ خطاباً أكثر نعومةً يلقى قبولاً أوسع. فتُعاد صياغة هذه الأفكار تحت شعاراتٍ مختلفة، مثل: أنّه على الرجال الاضطلاع بدور المُعيل، أو أنّ الأعمال الشاقّة لا تتوافق مع "الطاقة الأنثويّة".

في الختام

من الضروريّ قراءة هذا المحتوى ضمن سياق تصاعد الخطابات الفاشيّة والتقسيم الصارم للأدوار الجندريّة. ورغم أنّ الكثير منه لا يروّج صراحةً للأبويّة، إلا أنّه ينبغي النظر إليه كجزء من منظومةٍ متكاملةٍ من المحتوى الموجّه على أساسٍ جندريٍّ وضمن السياق السياسيّ المحليّ والعالميّ.

فإلى جانب ضرورة تفكيك هذا المحتوى الذي يدفع بالنساء إلى المزيد من التهميش الاقتصاديّ، تُصبح إعادة توزيع الأدوار الجندريّة ضرورةً موازية. فمن شأن إعادة التوزيع العادلة للأعمال الرعائية داخل المنزل أن تُعيد قدراً من التوازن الزمنيّ لصالح النساء، ممّا يتيح لهنّ ولوج أسواق العمل الرسميّة من دون أن تُعيقهنّ الأدوار الرعائيّة عن ذلك.

أما العاملات والعمّال في الاقتصاد غير الرسميّ، فمن الضروريّ أن يحصلن/وا على حمايةٍ اجتماعيّةٍ أساسيّة، تتمثّل ،كحدٍّ أدنى، بالتأمين الصحيّ والإجازة الوالديّة المدفوعة والإجازات المرضيّة. من شأن ذلك أن يُوفّر للعاملات في الاقتصاد غير المنظّم ظروف عملٍ أكثر كرامةً واستقراراً.

ريم طراد صحفية لبنانية تعمل في الصحافة المكتوبة والرقمية. مهتمة بالسرديات المعادية للهيمنة، وتغطّي القضايا الحقوقية والشؤون النسوية والعمّالية في دول الجنوب العالمي.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت