01.06.2022

المبادرات الشابة تواجه الأبوية بطرق غير تقليدية في مصر


"أنا اعتصمت في البيت وعلقت لافتات في كل أنحاء الشقة احتجاجاً على منعي من النزول إلى الميدان." تقول شابة في أوائل العشرينات وهي تخبر صديقتها عن الأسلوب الذي اعتمدته للضغط على أسرتها من أجل النزول إلى الميدان...وهذه الحكاية هي بالطبع ليست الوحيدة من نوعها.

في كانون الثاني/يناير 2011، عجّت ساحات الميادين في مصر بآلاف الشابات المدافعات عن الحرية والكرامة، من شتى الأعمار والمجتمعات والأوضاع الاجتماعية. وبالنسبة لغالبيتهن، فقد كان النزول إلى ساحة الميدان الخطوة الأولى لهنّ في العمل السياسي. ولم تكن مشاركة هؤلاء الشابات في الثورة مجرد ردة فعل غاضبة ومؤقتة، فقد أبصر النور بعد ذلك جيل جديد تجول في ذهنه تساؤلات عدة حول العلاقة بين المجالين العام والخاص، وحول حقوق النساء في مجالات العمل، والتعليم، وحرية الاختيار، والتنقل، وسلامة النساء وأمن أجسادهن. وهذه التساؤلات لم تكن وليدة الثورة، لكن ما من شك أنّ هذه الثورة عبّدت الطريق أمام النساء للتعبير عن أسئلتهن المشروعة في المجال العام؛ هذا إلى جانب العديد من المبادرات الشابة التي تبلورت وانخرطت في الحراك النسوي.

وكانت الأجواء حينها مؤاتية، فمع تصاعد الحراك السياسي والاجتماعي وتقاطع الحراك النسوي معهما، تشكل تحالف المنظمات النسوية، وانضمت نسويات إلى عضوية الأحزاب السياسية التي تشكلت بعد الثورة. كما أسست لجان المرأة في هذه الأحزاب لجنة تنسيقية فيما بينها وأدرجت قضايا النساء على أجندة العمل الحزبي، مؤكدةً أن حقوق النساء ومطالبهن جزء لا يتجزأ من مطالب الثورة.

هذا الزخم كان كفيلاً بتحفيز الكثير من شابات هذا الجيل الجديد للقيام بمبادرات في مختلف المحافظات في الوجهين البحري والقبلي وفي مدن القناة والقاهرة. وقد استندت هذه المبادرات إلى أدوات وأشكال تنظيمية جديدة تختلف عن تلك التي كانت تعتمدها المنظمات النسوية. كما تطرّقت المبادرات إلى الكثير من القضايا التي كانت تُعتبر بمعظمها من المحرمات المسكوت عنها في المجتمعات التقليدية والمحافظة جداً. فلم يكن الطريق ممهداً إذاً أمام هذه المبادرات في مجتمعات تحكمها الثقافة الذكورية والسلطة الأبوية. بالتالي، فإن خروج هؤلاء الشابات للمجال العام والإعلان عن أنفسهن بأنهن جزء من الحراك النسوي دليل واضح على عملية التغيير التي كانت تحدث بفعل الثورة.

(1) أشكال مختلفة من المبادرات الشابة

أسست هذه المبادرات شابات في منتصف العشرينيات وفي الثلاثينيات من العمر، وقد اتخذت بدايةً طابع العمل التطوعي الحر. ومع التغيرات الحاصلة في المجال السياسي وقيام الحكومة، متمثلة بوزارة التضامن الاجتماعي، بإصدار قانون جديد للعمل الأهلي يهدف إلى إخضاع الكيانات كافة التي تقوم بأنشطة تتعلق بالعمل الأهلي إلى القانون، وإخضاع الكيان الذي لا يقوم بملاءمة أوضاعه وفقاً للقانون للمساءلة القانونية، اتجهت مبادرات عدة إلى ملاءمة أوضاعها والعمل في إطار القانون، معتبرةً أن العمل ضمن أطار القانون يمنحها مساحة أوسع للتشبيك مع الكيانات النسوية الأخرى ولتناول القضايا المرتبطة بالسياسات والتشريعات الصادرة عن الحكومة. كما اعتبرت أن توفّر المكان القانوني من شأنه تحفيز الشابات على الانخراط في العمل النسوي، لاسيما في المناطق الريفية التي تهيمن عليها ثقافة تفرض قيوداً مشددة على تنقّل النساء وانخراطهنّ في الأنشطة الخاصة بالمجال العام.

تعتمد هذه المبادرات آليات متعددة في عملها، وهي تركز على المشاكل التي تعاني منها الشابات والنساء في مجتمعاتهن المحلية، فتشكل بالتالي صوتاً يعبر عن أولئك اللواتي تمردن على ما يتعرضن له من عنف وتمييز في المجالين العام والخاص. فركزت كل مبادرة على قضية محددة مرتبطة بمجتمعها، وكانت القضية المركزية هي العنف القائم على النوع الاجتماعي والتي تبنتها المبادرات من نواحي مختلفة. فقد ضمت إحدى المبادرات مثلاً محاميات تقدم الدعم القانوني، بينما تناولت مبادرات أخرى مسألة زواج القاصرات وختان الإناث. هذا وركّز قسم آخر من المبادرات على إنتاج معارف نسوية تقدم خطاباً بديلاً عن الخطاب القائم على إقصاء النساء وأدوارهن.

وأطلقت إحدى الصحفيات مبادرة هي عبارة عن تأسيس منصة إلكترونية تقدم خطاباً إعلامياً نسوياً مناصراً لقضايا النساء، وتطورت هذه المنصة من خلال النظر إلى كافة قضايا المجتمع من عدسة نسوية. واتجهت مبادرات أخرى نحو إنتاج الأفلام، والأعمال المسرحية، والمحطات الإذاعية الالكترونية والكوميكس التي استخدمتها في حملات التوعية المناهضة للسلطة الأبوية، مقدمةً خطاباً ينتقد الثقافة الذكورية.

وقامت المبادرات بتنظيم حملات قوية من خلال استخدام صفحات التواصل الاجتماعي بشكل جيد، وكذلك من خلال التشبيك بين عدد من المبادرات منها حملة حول قانون يحمى الفتيات من العنف الأسري، وحملة مناصرة لوضع قانون موحد من أجل مناهضة العنف والتمييز في الميراث. هذا العمل الجماعي يعكس وعي النساء بأهمية التضامن النسوي وإدراكهن أن مواجهة السلطة الأبوية تحتاج إلى التنسيق والتشبيك.

نلاحظ أن قضية العنف كانت قضية مركزية عند هؤلاء النسويات، وقد استطعن تجذير النقاش بشكل لامركزي حول هذه القضية على مستويات عدة في المجتمعات المحلية. كما جذبت هذه المبادرات شابات أخريات للانخراط في العمل العام والحراك النسوي.

وفي السنوات الأخيرة، أخذ نطاق عمل المبادرات يتسع أكثر فأكثر ليشمل مثلاً تبني قضايا العنف والتمييز الاقتصادي، والتركيز على توفير بيئة عمل آمنة، والتركيز على معاناة الفقيرات والمعيلات، هذا إلى جانب مجموعات الدعم والتضامن مع الناجيات في قضايا شغلت الرأي العام مثل قضية المتحرش أحمد بسام وقضية الفيرمونت، فضلاً عن نشر شهادات الناجيات في العديد من جرائم العنف وفضح الجاني.

حراك نوعي

لم تكن المبادرات هي الطريقة الوحيدة التي اعتمدها هذا الجيل الجديد من النسويات للتعبير عن نفسه وعن رفضه للسلطة الأبوية. في الواقع، لقد زادت نسبة الشابات اللواتي قررن الاستقلال عن الأسرة والاعتماد على أنفسهن اقتصادياً، واللواتي قررن ترك بيت الأسرة والسفر من محافظة إلى أخرى للبحث عن فرصة عمل أفضل واستكمال تعليمهن الجامعي والدراسات العليا. وهؤلاء المستقلات لاقين تضامناً قوياً من نسويات أخذن زمام المبادرة في تشكيل دوائر دعم ومساندة لهن ومساعدتهن على التأقلم مع حياتهن الجديدة.

هناك حراك نوعي مثل حراك المحاميات اللواتي تقدمن على مدى سنوات عدة للتعيين في مجلس الدولة وتم رفضهن لأنهن نساء، فتمسكت هؤلاء المحاميات بحقهن المشروع في التعيين، واتبعن طرقاً متعددة للتعبير عن حقهن في التعيين بمجلس الدولة، منها استخدام صفحات التواصل الاجتماعي، والتوجه إلى الجهات المعنية واللجوء إلى آليات التقاضي. وتكللت جهودهن بالنجاح إذ صدر قرار من المجلس الأعلى للهيئات القضائية بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي بقبول النساء بمجلس الدولة والنيابة العامة ابتداءً من 1 تشرين الأول/ أكتوبر2021.

رفض التراتبية

تُعتبر هذه المبادرات جزءاً لا يتجزأ من النضال النسوي الممتد لأكثر من قرن، والذي اتخذ أشكال متعددة كالمنظمات النسوية مثلاً. وقد حافظت المبادرات على تواصلها مع هذه المنظمات واستمرت في تلقي الدعم من البعض منها من خلال برامج التأهيل والتدريب وبناء القدرات، لكنها في الوقت عينه حرصت على صون استقلاليتها، ورفضت محاولات السيطرة عليها وفرض السلطة الأبوية من قِبل البعض في هذه المنظمات.

هذه التجربة النسوية الشابة التي تتسم بالجرأة والشجاعة، والتي تمكنت من الصمود والاستمرار على الرغم من الضغوطات وظروف العمل غير الملائمة تستحق تسليط الضوء على أدوارها وتوثيق ما حققته من تجذير للنضال النسوي في المجتمعات المحلية، ورفض للتراتبية والسلطوية داخل إدارة هذه المبادرات. وشكلت النسويات الشابات في هذه المبادرات نماذج ملهمة، كما أنهن يفتحن المجال أمام النسويات الأخريات اللواتي التففن حولهن للتعبير عن أنفسهن واعتماد الآليات التي يفضلنها، مما ساهم في توسيع نطاق الدعم والتضامن النسوي، وعدم مركزيته والحرص على المضي قدماً من أجل استكمال المسيرة.

(1) نستعرض تجارب هذه المبادرات الشابة من خلال عشر (10) مقابلات مع مؤسسات من مبادرات شابة تأسست بعد كانون الثاني/يناير 2011، استندت إليها الكاتبة لدى إعداد المقال.

منى عزت ناشطة منذ أكثر من ٢٠ عاماً في الحركة النسوية من خلال عملها مع المنظمات النسوية والنقابات في مصر ومنطقة العربية.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت.

Friedrich-Ebert-Stiftung

المكتب الإقليمي للجندر والنسوية

202491 1 961+
338986 1 961+
feminism.mena(at)fes.de

من نحن

الانضمام الى نشرتنا النسوية