07.10.2022

الهجرة كقضية نسوية

يسلط هذا المقال الضوء على قضايا الهجرة واللجوء وعنف سياساتها من منظور النسوية المناهضة للحدود، ويلقي المقال نظرة على مسؤولية الحراكات النسوية في صياغة سياسات ثورية بديلة.

النسوية في جوهرها هي إطار ثوري ينحاز دائماً للهامش دافعاً بذلك سياسات ثورية تهدف إلى العدالة والتضامن والحرية. لهذا تعتبر القضايا المتعلقة بالهجرة واللجوء والحدود من المواضيع المهمة، والتي تناولتها التنظيرات النسوية من خلال تفكيك مفاهيم وقضايا الأمة والعرق والطبقة والجنسانية والاستعمار والحروب.

ظهرت الكتابات النسوية حول الحدود والهجرة في أعمال منظّرات عديدات، خصوصاً في تيارات نسوية ما بعد الاستعمار والنسوية السوداء والتشيكانا ونسويات العالم الثالث، وقد تناولت قضايا الحدود والهجرة على نطاق واسع.

في كتاب أرض الحدود / لا فرونتيرا، توضح غلوريا أنزالدا كيف تُفرض الحدود فوق الأرض والأفراد والمجتمعات، وتناقش العواقب النفسية والعاطفية للعيش في المناطق الحدودية. وهي تفعل ذلك عبر أنسنة السرديات عن الهجرة والحدود، لتنقلها من الخطاب الجاف واليميني نحو خطاب نسوي يسائل البنى الرأسمالية والأبوية والاستعمارية التي وضعت حدوداً على الأرض والأجساد ومنعتها من عبور الفضاءات دون قيود. كما قدمت هارشيا واليا في كتابها نقض إمبريالية الحدود تنظيراً مهماً حول الحدود والهجرة، وتناولت دور الاستعمار والاستيطان والرأسمالية في تقسيم الشعوب حسب تراتبيات عنيفة، مع إعطاء الشرعية وفق هذه الهرميات، لتسجن بذلك الأجساد في حيز ملغّم بالاستغلال والقمع، لتقوم بالمقابل بسرقة الأراضي والثروات.

صناعة الحدود وبَولَسة الأجساد

تأسست الحدود، كمنتج للاستعمار والدولة الحديثة بشكل أساسي، على القيم والأيديولوجيات النابعة من الأنظمة الاضطهادية، كالنظام الأبوي والرأسمالي والاستعماري. تقوم الحدود على تقسيم الأشخاص إلى شرعي وغير شرعي، وبالتالي خلق تراتبيات تهدف لإضفاء مزيد من السيطرة بحجة القومية والوطنية. يدفعنا تفحُّص هذه القيم نحو تفكيكها في ضوء تاريخ الاستعمار والنهب الرأسمالي وتحويل العالم إلى مناطق مهيمنة محمية ومطوقة بالأسلاك الشائكة، من جهة أولى، ومن جهة أخرى مناطق ملغمة بالحروب والنهب والتهجير والتدمير البيئي.

لطالما كانت الشعوب في حركيّات مستمرة، تدفعها للهجرة وتغيير أماكن سكنها إما لظروف سياسية أو اقتصادية وبيئية أو لدوافع اجتماعية وحميمية، كانت الحركة ما قبل الحدود الحديثة غير مقيدة بالبنى العنيفة التي تقوم بوظيفة البَولَسة (الشرطة) ومطاردة الأجساد ووضعها في الأقفاص أو إجبارها على العودة لمصير تهرب منه. يذكرنا ذلك بتقاطع الأنظمة العنيفة وصناعتها للحدود المادية والرمزية لبسط سلطتها وبث الرعب والانضباط. فأسلاك الحدود وجدرانها ووثائقها التي تتفحص مدى شرعيتنا تشبه حدود النظام الأبوي وقواعده الشائكة التي يفرضها على الأجساد ويطوقها بها. وهذا يضع الحراكات النسوية في موقف حاسم ليس فقط ضد القوانين التي تقيد الحركة وتجرّم المهاجرين واللاجئين، بل ضد الحدود نفسها وضد الأنظمة التي أنتجتها.

الرأسمالية العالمية والتهجير العنيف

درست العديد من المنظّرات النسويات الحدود والهجرة في ضوء الرأسمالية العالمية والتهجيرات البيئية والاستعمارية، ولا سيما كيف تخلق الرأسمالية ظروفاً معيشية غير مستقرة بشكل متزايد، وأجوراً منخفضة وعمالة خطرة في الجنوب العالمي، حيث تنقل الشركات إنتاجها من الشمال إلى الجنوب - وكيف تتأثر النساء بشكل خاص بهذه المتغيرات. حظيت الظاهرة باهتمام كبير، لأن النساء العاملات في صناعات كتلك كافحن ضد هذا الوضع، وحاولن خلق تنظيمات للدفاع عن قضاياهن. هناك أيضاً تنظير مستمر حول تأنيث الهجرة أي كثرة النساء اللواتي يهاجرن للقيام بأعمال منزلية في مكان آخر ورعاية أطفال الآخرين - وهو ما يسمى بعكس الاضطهاد، حيث تقوم نساء الطبقات الوسطى والبرجوازية بتوظيف نساء يقمن بمهام الرعاية نيابة عنهن.

ويعرف سياق دول المنطقة عنفاً ممنهجاً ضد اللاجئات-ين والعاملات-ين الأجنبيات خصوصاً، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن دول الشرق الأوسط مثل لبنان ودول الخليج تفرض نظاماً استعبادياً تجاه القادمين للعمل من الدول الأخرى وهو نظام الكفالة. يتسبب هذا النظام بحالة مباشرة من الاستعباد، حيث تُنتزع من العاملات أوراقهن الثبوتية، ويُحجَر على حركاتهن، ويتعرضن للعنف الجنسي والجسدي والنفسي والاقتصادي. يتأصل هذا النظام بعمق في الرأسمالية والأبوية، ويتغذى على قيم الدولة القومية التي تبني هرميات تعرِّض من يكون خارج تصنيفها للأذى والاضطهاد.

اللجوء والسياسات اليمينية

يضاف إلى ذلك ما تعيشه مخيمات اللجوء في كل من لبنان والأردن وتركيا ومصر، مثالاً لا حصراً، حيث تعيش الشعوب السورية والفلسطينية واليمنية ظروفاً عنيفة معظمها ناتج عن سياسات يمينية معادية للاجئين وللأنظمة القمعية التي تحاول جعل اللاجىء شماعة تغطي بها نهبها وسياساتها القمعية.

لا يعتبر حال اللاجئات-ين والمهاجرات-ين في بقية الدول بحال أفضل. فشواطئ ليبيا تعج بمراكز الاحتجاز للمهاجرين الراغبين في عبور المتوسط نحو أوروبا. يمول الاتحاد الأوروبي هذه المراكز، ويراهن عليها في ضبط حركة الأجساد المهاجرة وعقابها. فهذه المعتقلات تحولت لأسواق استعباد تُباع فيها النساء والأطفال والشباب، خصوصاً من الدول الأفريقية، ويتعرضون للعنف الجنسي والجسدي والنفسي، بالإضافة إلى المنع من التنقل بشكل تام والمنع من ممارسة الشعائر الدينية.

في المغرب تعرض مهاجرون من دول أفريقية للقتل والاعتقال في ما يعرف بمجزرة مليلة، وهي جريمة تضافرت فيها سياسات الحدود التي يمولها ويرعاها الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الاتفاق المشترك بين المغرب وإسبانيا الذي يبادل مصائر الشعوب كسلع رمزية. فما بين تشريع استعمار الصحراء الغربية من قبل الحكومة الإسبانية، وما بين حماية حدود إسبانيا، مثّل المغرب وإسبانيا أبشع صورة على ما يتجه نحوه العالم نتيجة للتحكم الاستعماري والرأسمالي في مصائر الشعوب.

الحركات النسوية الإقليمية والمسؤولية الثورية

يرتبط وضع الهجرة واللجوء بشكل كبير بنوع الأنظمة القائمة التي تحكم العالم؛ أنظمة تفرض التهجير القسري والاستغلال الرأسمالي لأراضي وموارد السكان الأصليين، وسياسات عنصرية قائمة على القومية ومعاداة الأجانب. كل هذا يضع المجتمعات والشعوب في تنافس فيما بينهم، بينما تنعم الطبقات المهيمنة بالاستقرار نظراً لاستغلالها لأيديولوجيا معاداة المهاجرين.

لا تخص هذه الجرائم الحراكات المناهضة لعنف الحدود وسياسات الهجرة العنصرية، بل تعني أساساً الحركات النسوية لكونها حركات ثورية تقوم على مبادئ وممارسات تهدف لإنهاء الأنظمة التي أنتجت الحدود والسياسات اليمينية والنهب الرأسمالي، والذي يؤدي ليس إلى تقليص الموارد وحرمان الشعوب منها فحسب، بل أيضاً للدمار البيئي الذي يدفع بالعديد من الأشخاص إلى الهجرة بحثاً عن موارد بديلة.

إننا كنسويات معنيات بخطاب وحراك مناهض للحدود وسياسات الهجرة العنصرية ومعنيات بممارسات ثورية لا تتحدث باسم المهاجرات-ين ولا تستخدم قضاياهم-ن ووجوههم-ن لتأثيث المشهد وإعطاء صورة مزيفة عن التقاطعية، وإنما تدفع بسياسات وخطابات تفكك قضايا اللجوء والهجرة في ضوء نهب الموارد والاستعمار والاستيطان والتهجير القسري وتدمير البيئة وأماكن وطرق عيش السكان الأصليين، ونضال جماعي يشرك من يعيشون في وضعية لجوء أو هجرة في صياغة هذه السياسات، ووضع أجندات وتصورات تعكس سياقاتهم-ن وآمالهم-ن كصانعات-ين للثورة لا مواضيع لها.

تقف الحركات النسوية في المنطقة الناطقة بالعربية على تحديات كبيرة تسائل خطابها وأسسها وأجنداتها، ومدى شمولها للقضايا التي تخص المجموعات التي تعيش هامشيات متقاطعة كاللاجئات-ين والمقيمات-ين والعاملات المنزليات والعمال الأجانب، وهذا التحدي يضعها أساساً أمام مسؤولية تاريخية تثبت بها ثوريتها وعدم تهمشيها لأي قضية. وهذا يعني الالتزام المستمر بالمبادئ النسوية الثورية التي تهدف إلى تغيير جذري يستبدل البنى التي تؤسس للهرميات والعنف وتهدف إلى خلق مجتمعات وأنظمة بديلة يعيش فيها الجميع بحرية ويحظى بنفس الفرص في التنقل والعيش والاستقرار.

سعاد سويلم نسوية مهتمة بتوثيق وتحليل القضايا النسوية والكويرية في تقاطعاتها مع الأبوية والاستعمار والرأسمالية وأرشفة التواريخ البديلة.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة وجهات نظر مؤسسة فريدريش إيبرت.

Friedrich-Ebert-Stiftung

المكتب الإقليمي للجندر والنسوية

202491 1 961+
338986 1 961+
feminism.mena(at)fes.de

من نحن

الانضمام الى نشرتنا النسوية